( حَفْلُ تَخَرُّجِ مدرسة بشمزّين العالية السّبت ۳۰ أيّار ۲۰۲٦ (الدّفعة ۷۹
تقديم الأستاذ ريكاردو كرم
تِسْعَةٌ وسَبْعُونَ عَامًا مَضَتْ على تَخْرِيجِ الدُّفْعَةِ الأولى للصَّفِّ المنتهي ومدرسةُ بشمزِّينَ العالية في تَوَثّْبٍ دائمٍ نحوَ العُلى تمَخُر عُبَابَ السِّنينْ بِعَزمٍ لا يلينْ. قِبْلَتُهَا أعالي القِمَم، لذلك تَراها في
تَألُّقٍ دائمٍ، تَتَلاَلأ بالبَهاءِ مُجَدِّدَةً كالنَسْرِ شَبَابَهَا.
تَتَبَدَّلُ الوجوهُ، وتَبقى المنُاسَبَةُ هي هي والمَسْرَحُ هو هو…، وفي كُلِّ مَرّةٍ تَعْتَلِيهِ تَنْتَابُكَ الرَّهْبَةُ،
وكَأنَّها المرَّةُ الأولى الَّتِي تَقِفُ فِيهَا مُتَكَلِّمًا. كيفَ لا وأنتَ تَقِفُ مُخَاطِبًا نُخْبَةَ القَوم…
يا أحبّة،
في زمنٍ يُعتبر فيه الإنسان، وبكلِّ أسفٍ، مجرّدَ رقْم لدى المتسلّطينَ على العالم، وبات سِلعة في سوق نخاسةِ بعضٍ من إعلامٍ مأجورٍ ومجتمعٍ استهلاكيٍّ؛ في زمنٍ أضحى فيه المنادون
بالقيم الخُلُقِيَّة والإنسانيَّةِ والوطنيِّةِ قِلّةً عزيزةً؛ في زمنٍ يعاني فيه العالمُ من اضطرابات وحروب عبثيّةٍ، لا سيّما وطني الذّبيحُ على مذبحِ النِسيانِ والمصالحِ الدُّوليّةِ والأطماعِ الخارجيّةِ حيث
تبتلعُ الصِّراعاتُ أحلامَ الشّبابِ الشَّاخصِ إلى مستقبلٍ واعدٍ، تنتصبُ أمامَك قاماتٌ شامخة تبعثُ في نفسِكَ الأملَ والرَّجاءَ بأنَّ بعد اللّيلِ الدَّامسِ فجرًا مشرقًا لا محالْ.
أيُّها السَّادة،
في الرُّبع الأوّلِ من القرنِ الماضي نَظَمَ رشيد سليم الخوري - الشَّاعرُ القَرَويُّ الّذي أمضى في
بلدةِ بشمزّينَ رَدْحًا من الزَّمنِ ودرَّسَ في مَدْرَسَتِها وهو نَاظِمُ نَشِيدِها - بيتينِ من الشِّعرِ فيهما
من الفَخْرِ ما يَنِمُّ عن ثِقَةٍ بالنَّفسِ ويعكِسَانِ شخصيَّةً مُتَوقِّدةً تَشِعُّ ذكاءً …
ما ذا الهلالُ بل اسمي رامَ يرسُمُهُ في صَفْحَةِ الأُفُقِ رَبِّيَ الحَارِسُ الوَاقِي
فَخَطَّ رَاءً مُخْتَصِرًا قاَلَ كَفَى في شُهْرةِ الإسْمِ ما يُغْنِي عَنِ البَاقِي
وهذه هي حالُ ضَيْفِنَا الكريمْ الإعلاميِّ المتَمَيِّزِ ريكاردوكرم…
وما يُضِيفُ على الاِسْمِ شُهْرَةً ما يَحْمِلُهُ مِنْ مَعَانٍ تجَََسَّدَتْ في شَخْصِهِ قَولاً وفِعْلاً. فقد استَطَاع ريكاردو كرم أن يأسِرَ القلوبَ والعقولَ بأسلوبِه الحِواريِّ الخاصّ، متمكّنًا من أدواته، ما جعل
من مِنَصَّتِه الإعلاميّةِ عَرِينًا يستضيف فيه قادةَ الفِكرِ والأدبِ والشِّعرِ والفِنِّ والثّقافةِ والإعلام والتّربيةِ والعلومِ والسّياسةِ والاقتصادِ وصُنَّاعِ القرارِ في العالم يحاورهم جَمِيعَهم من نَدٍّ إلى نَدّ.
ففي كلِّ حوارٍ تراُه مُحلّقًا.
شجاعتُه الأدبيّةُ أهَّلتهُ لاختراقِ أبوابِ العَوالمِ المُغْلَقَةِ لضُيُوفِهِ، لاسِيَّمَا أولئك المؤثّرينَ في
المجتمع. استطاع، من خلالِ شجاعتِه هذه، أن يَبرُزَ كَقَائدٍ رائدٍ لتَيَّارٍ إعلاميٍّ ذي محتوىً راق ونخبويٍّ. يحترمُ ذكاء المُشاهِد وعقْلَهُ، ويمَنَحُ ضَيفَهُ المِساحةَ الوافيةَ ليُعَبِّر عن مكنوناتِ قلبه فيغوصُ معه في أعماق النَّفس البشريّةِ مُسَلِّطًا الضَّوءَ على كلِّ ما من شأنه أن يبنيَ الإنسان والمجتمع. فهو يُتقِنُ إدارةَ الحوارِ وتوجِيهَهُ بِفِطنَةٍ وبراعةٍ ورصانةٍ. وإذا ما حَلَّ هو ضيفاً، تجدُه
واثقاً، لا يهابُ الأسئلةَ العميقةَ، بل يواجِهُهَا بجُرأة، ليَصُوغَ من أجوبَتِهِ مواقفَ إنسانيةً ووطنية يُجسّدها هو في حياته، وذلك بقَالبٍ عصريٍّ بعيدٍ عن الرَّتَابَةِ والخطابِ التَّقليديِّ الممجوج،
مُخاطِبًا إنسانَ اليوم، في هُمُومِه وشُجُونِهِ، بكلماتٍ تَنبُعُ من القلب لتصبّ في أعماق القلب.
ومن ميزاته أيضًا القوّةُ المتجلّيةُ في صوتِهِ الهادئ، في لغتِهِ المُتْقَنة، في حضوره الواثق. إنّه مثال للرُقيّ والوقار، محترفٌ لفنّ الإصغاء فتراه يتكلّم حيث يُفيدُ الكلامُ ويصمُتُ حيث ينبغي
الصّمت. ففي كلامه شهدُ عسلٍ. وفي صمته وقارٌ ورُقيّ.
هذا المزيج في شخصيّته جعل منه إعلاميًّا فذًّا يجمع بين أَنَفَةِ القَادَةِ وتواضعِ المثقّففين.
مواقفُه النَّزيهةُ في شتَّى المجالاتِ تحُدِّثُ عنه. فهو الإنسانُ النَبيلُ الّذي ينبذ الظّلم ويَنْصُر المظلومَ، هو الصَّلْبُ الّذي لا يساوم على قضايا الحقّ وعلى ما يصون كرامةَ الإنسان. (ففي
القضايا الّتي تمَسُّ كرامةَ الإنسانْ لا تمييزَ لديه بين جنسٍ أو لونٍ أو عِرقٍ أو انتماء. الكلّ لديه
في كفّة واحدة هي الإنسانيّة). هو المتكّل على الله والمؤمن به وبعجائبه حتّى الصَّميم، إنّه
الوطنيُّ الحرُّ، المنفتحُ على الآخر. إنّه يرى في الانفتاح حياةً وفي التّقوقعِ موتًا. باختصار إنّه
الإنسانُ قبل أن يكون الإعلاميَّ ذا الشّأن السَّامي والمرموق.
لم تزذه الأضواء والشُّهرة إلاّ تواضعًا، فتراه كسُنبُلَةِ القمح الّتي كلّما امتلأ رأسُها حبوبًا كلّما
ازدادت انحاءً وتواضعًا …
أستاذ ريكاردو، يضيق بنا الوقت لو أردنا تعدادَ مزاياك ومواهِبِك. حضورُكَ بيننا اليوم يزيدنا
فرحًا على فرحْ.
سوف نبحرُ معكَ في رحلةٍ نكتشفُ فيها أسرارَ النَّجاحِ وكيف يكونُ تَسلُّقُ القِمم، ونستلهم من مسيرتِك الحافلةِ بالإنجازاتِ ما يفتحُ الآفاقَ أمام شبابِنا للمُضِيِّ قُدُمًا في دروب الإبداع
والتَّمَيُّزِ.
أهلاً وسهلاً بك ضيفاً عزيزاً… المِنبر لك.
نقولا بو شاهين