كلمة اللجنة الإدارية لمدرسة بشمزين العالية

حفل التخرج – دفعة 2026

مساء الخير،

صاحب السيادة، قدس الأب، سعادةَ النواب، حضرة رئيس بلدية بشمزين، أولياء الأمور الكرام، الضيوف الأعزاء، أعضاء الهيئة التعليمية والإدارية، السيدات والسادة، أبناؤُنا وبناتُنا الخريجون.

يشرفُني أنْ أقفَ أمامَكمْ في هذه الأمسية المميزة، التي لا نحتفلُ فيها فقطْ بنهايةِ مرحلةٍ، بلْ ببدايةِ مسيرةٍ يصبحُ فيها لكلِّ واحدٍ منكمْ أيها الأحبة الخريجون دورٌ وخيارٌ ومسؤولية.


كما يشرفُنا هذا المساء أنْ نرحبَ بضيفٍ مميزٍ، الأستاذ ريكاردو كرم،

الإعلاميّ، والكاتب، وصانعُ الحواراتِ التي ألهمتْ أجيالاً، والذي كرسَ مسيرتَهُ لإبرازِ قصصِ النجاحِ اللبنانيّ والعربيّ.

وعلى مدى أكثرَ منْ ثلاثةِ عقودٍ، استطاعَ الأستاذُ ريكاردو أنْ ينشئَ مساحةً للحوارِ الصادق، وأنْ يسلطَ الضوءَ على شخصياتٍ استثنائيةٍ منْ لبنانَ والعالم، مؤمناً بأنَّ الكلمة الصادقة يمكنُ أنْ تحدثَ أثراً يتجاوز حدودَ الإعلامِ إلى المجتمعِ بأكملِهِ.

ومنْ خلالِ مبادراتِهِ، لا سيما مؤسسة تكريم”، لمْ يكتفِ بسردِ قصصِ النجاحِ، بلْ ساهمَ أيضاً في الاحتفاءِ بمنْ يصنعونَ الفرقَ فعلاً وبدونِ أدنى شكٍّ أنَّهُ حفزَ كثيرينَ للإبداعِ والتميز.

حضورُكَ اليومَ بينَ أهلِكَ في بشمزين ومدرستِها العاليةِ هوَ مدعاةُ فخرٍ واعتزازٍ لنا جميعاً.


أحبائِي الخريجين،

في العامِ الماضي، تحدثنا عنْ القيمِ التي اكتسبتموها، وعنْ الانتماءِ الذي يجمعُكمْ بهذهِ المدرسة.

أما اليومَ، فأودُّ أنْ أتحدثَ معكمْ عنْ شيءٍ مختلفٍ وهوَ المسؤولية.

أنتمْ لمْ تعودوا مجردَ طلابٍ تلقوا العلمَ، بلْ أصبحتمْ شباباً ينتظرُ منكمْ أنْ تحملوا رسالةً سامية، وتسهموا في بناءِ مستقبلٍ أفضل.

العالمُ الذي تدخلونَهُ اليومَ ليسَ بسيطاً.

هوَ عالمٌ سريعُ التغيرِ، مليءٌ بالتحدياتِ، وغالباً بالضبابيةِ.

لكنْ في المقابلِ، هوَ عالمٌ مفعمٌ بالفرصِ لمنْ يملك الشجاعةَ أنْ يتحملَ المسؤوليةَ، لا أنْ يكتفيَ بالمراقبة.

إذا أردتُ أنْ أختصرَ رسالتِي فأقولَ لكمْ: أنتمْ بُناةٍ.

بُناةٌ لثقةٍ في زمنِ الشكِّ،

بُناةٌ لصدقٍ في زمنِ المساوماتِ،

وبُناةٌ لأملٍ في زمنٍ أثقلتْهُ المآسي.

كلُّ واحدٍ منكمْ سيُمنحُ فرصةً، أكبيرةً كانتْ أمّ صغيرةً، ليتركَ بصمته.

السؤالُ ليسَ إنْ كنتمْ ستنجحون، بلْ:

أيُّ نوعٍ منْ النجاحِ ستحققون؟

هلْ هوَ نجاحٌ فرديٌّ محدود؟

أمْ نجاحٌ ينعكسُ على منْ حولَكمْ، ويُنيرُ دروب الآخرين؟



اسمحوا لي أنْ أشاركَكمْ ثلاثَ رسائلَ بسيطة، لكنَّها أساسية:

أولاً: فكروا بعمقٍ، لا بعجلةٍ.

في زمنِ السرعةِ، وكَثرةِ المعلومات، وسهولةِ الوصول إلى الإجابات، يبقى التميزُ الحقيقيّ في القدرةِ على الفهمِ العميق، لا في الاكتفاءِ بالانطباعِ الأولِ أوْ الجوابِ السريعِ.

تعلموا أنْ تسألوا، وأنْ تشككوا بحكمة، وأنْ تبحثوا عما وراءَ الظاهر، فالعقلُ المتأني هوَ الذي يرى ما لا يراهُ المتسرع، ويأخذُ القرارَ الأصحّ في اللحظةِ الأصعب.


ثانياً: تمسكوا بالقيمِ، خاصةً عندما يكونُ ذلكَ صعباً.

القيمُ لا تُختبرُ عندما تكونُ الظروفُ سهلةً، بلْ عندما يكونُ الطريقُ معقداً، وعندما تكونُ المصلحة القريبة مغرية، وعندما يكون الموقفُ الصحيح مكلفاً.

لا تسمحوا للنجاحِ أنْ يكونَ على حسابِ نزاهتِكمْ، ولا للضغطِ أنْ يُغيرَ جوهرَ ما تؤمنونَ بهِ، فالإنسانُ لا يبنى بما يحققُهُ فحسبُ، بلْ بالطريقةِ التي يختار أنْ يحققَ بها ذلكَ.


ثالثاً: لا تخشوا البدايات، فكلُّ إنجازٍ عظيمٍ بدأَ بخطوة.

قدْ لا تكونُ الطريقُ واضحةً دائماً،

وقدْ لا تأتي الفرصُ في الوقتِ المثاليِّ،

فالذينَ يتميزون همْ أولئك الذينَ يملكونَ شجاعةَ اتخاذِ الخطوةِ الأولى.

تعلموا أنْ تشقوا طريقكم بإيمان،

وأنْ تعتبروا كلَّ تجربةٍ، حتى الصعبةِ منها، فرصةً للنموِّ والابداع.

خلالِ العامِ الماضي، استطاعت المدرسة بالتعاونِ الوثيق مع جمعية زهرةِ الآداب، تحقيقَ خطواتٍ نوعيةٍ على أكثرَ منْ صعيدٍ، رغمَ التحدياتِ والِمحَّن التي يمرُّ بها الوطن.

فقدْ أُطلقَ مشروعُ التوسعةِ الجديد، ووُضعت الأسسُ العملية لتنفيذِهِ، إلى جانبِ نيلِ الاعتمادِ الدولي ومتابعة متطلباتِهِ، والعمل على دعمِ الاستقرارِ الإداريِّ والماليِّ، وتطويرِ عددٍ من الممارساتِ التنظيمية والتربوية بما يواكبُ متطلبات العمل المؤسساتيّ الحديث، ويحافظ في الوقتِ ذاتِهِ على هويةِ المدرسة ورسالتِها العريقة.


أما في المرحلةِ المقبلة، فسيتركزُ العملُ على استكمالِ مشروعِ الحرمِ المدرسيّ الجديد وتسليمِهِ ضمنَ المهلةِ المحددة، وتعزيز الاستدامة المالية للمدرسة بالتوازي معَ ضبطِ النموِّ والتوسع بشكلٍ مدروس. كما سنعمل على ترسيخِ مسارِ الاعتمادِ الدولي واستيفاءِ جميع متطلباته والحفاظِ على التميّز الأكاديمي، إلى جانبِ تطويرِ الأداءِ المؤسسي والمالي من خلالِ اعتمادِ ممارساتٍ تنظيميةٍ حديثة قائمةٍ على مبادئِ الحوكمةِ الرشيدة وتطبيقِ التحولَ الرقمي وتنميةِ الكفاءة الإدارية والتعليمية وتمكينِ المواردِ البشرية كافةً.


لا يمكنُ أنْ نصلَ إلى هذه اللحظة منْ دون أنْ نتوقفَ بكلِّ تقديرٍ أمامَ الذينَ أسهموا في صُنعِ قصةِ نجاحِ هذهِ المدرسةِ، ليسَ بالدعمِ وحده، بلْ بالإيمانِ العميقِ برسالتِها ودورِها.


إلى جمعيةِ زهرةِ الآداب، التي حملتْ هذه المدرسة كأمانةٍ عبرَ الأجيال، وواصلتْ الاستثمار في الإنسانِ والتربية، رغمَ كلِّ التحديات والظروف المتغيرة.

وإلى رئيسِ الجمعيةِ، السيدِ وليد سعيد نجار، على متابعتِهِ الدائمةِ، وحرصِهِ الصادقِ على دعمِ المدرسةِ ومسيرتِها، وإيمانِهِ بأنَّ الحفاظَ على هذا الصرحِ التربويِّ هوَ مسؤوليةٌ مستمرةٌ تجاهَ الأجيالِ القادمةِ.


إلى زملائِي في اللجنةِ الإداريةِ، السادة صفاء نجار، جورج جحا، بسام نجار وزياد شاهين الذينَ أثبتوا بحكمتِهمْ وصلابتهم في اتخاذِ القرارات الاستراتيجية أنَّ العملَ الجماعيَّ القائمَ على الاحترامِ والثقةِ يمكنُهُ أنْ يُحولَ التحدياتِ إلى فرصٍ، والأفكارِ إلى خطواتٍ ملموسةٍ نحوَ المستقبلِ.


إلى مديرةِ المدرسة، السيدة ليلى فارس شاهين، صاحبةِ الرؤيةِ الثاقبةِ، التي تحملُ همومَ المدرسةِ ورسالتَها بكلِّ تفانٍ وإخلاصٍ، فهيَ شريكةٌ أساسيةٌ في متابعةِ شؤونِها اليوميةِ وتطويرِ عملِها التربويِّ والإداريِّ. فلها منا التقديرُ كلُّهُ على اندفاعِها الاستثنائيِّ، وجهودِها الجبارةِ، وحرصِها المستمرِّ على الارتقاءِ بالمدرسةِ وتعزيزِ مسيرتِها معَ الحفاظِ على روحها وهويتِها.


إلى أفرادِ الهيئةِ التعليميةِ والإداريةِ، الذينَ يصنعونَ الفرقَ الحقيقيَّ في حياةِ الطلابِ، ليسَ منْ خلالِ التعليمِ فقط، بلْ منْ خلالِ الحضورِ الإنسانيِّ، والكلمةِ المشجعةِ، والقدرةِ على احتضانِ الطاقاتِ والمواهبِ وصقلِها.


وإلى أولياءِ الأمورِ الكرامِ، الذينَ منحونا ثقتَهمْ الغالية، وجعلونا أُمناءَ على أبنائِهمْ، وشاركوا المدرسةَ مسؤوليةَ التربية، في زمنٍ أصبحتْ فيهِ هذهِ الشراكةُ أكثرَ أهميةً منْ أيِّ وقتٍ مضى.

ولا يسعُنا إلا أنْ نذكرَ بكلِّ امتنانٍ عائلةَ المرحومِ عفيف جبور جحا، على كرمِها غيرِ المشروطِ ودعمِها المستمرِّ للمدرسةِ وطلابِها، وآخرُها الهبةُ السخيةُ لتأهيلِ المسرحِ في الحرمِ الجديدِ.


كما نتوجهُ بالشكرِ الجزيل إلى بناتِ المرحومِ الأستاذ شفيق جحا، المؤسسِ الحديث للمدرسة، على مبادرتِهنَّ الأخيرةِ المتمثلةِ في وهبِ المدرسةِ قطعةَ أرضٍ مجاورةً للحرمِ الجديدِ، في خطوةٍ تحملُ دلالاتٍ عميقةً منْ الوفاءِ والاستمراريةِ.


كما نتوقّفُ بكلِّ تقدير عند مبادرةِ السيدة ليندا جورج بخعازي، التي وهبتِ المدرسةَ قطعةَ أرضٍ، عربونَ وفاءٍ لذكرى والدتِها المرحومة ماري أندريا شاهين، في لفتةٍ نبيلةٍ تعبّرُ عن محبةٍ صادقةٍ لهذه المدرسةِ ورسالتِها.


كذلك نتوجّهُ بكلمةِ شكرٍ صادقةٍ إلى جارَي المدرسةِ الكريمين والغيورين عليها، الصديق الحبيب إسحق مفرّج والسيد جورج راجي بركات، على مبادرتهما النبيلة في تأمينِ مياهِ الشفةِ للمدرسةِ من آبارِهما الخاصة، في موقفٍ يجسّدُ روحَ المحبةِ والتكاتفِ والحرصِ الصادقِ على هذا الصرحِ وأبنائِه.


وعشيةِ عيدِ العنصرةِ المجيدةِ، حينَ انطلقَ الرسلُ للبشارةِ والتّعليمِ، لا بدَّ أنْ نتوجهَ بشكرٍ صادقٍ وامتنانٍ عميقٍ إلى أبرشيةِ طرابلسَ والكورة وتوابعِهما للرومِ الأرثوذكس، وإلى ملاكِها صاحبِ السيادةِ المتروبوليتِ أفرامٍ (كيرياكوس)، ومجلس رعيةِ بشمزين، وراعيها قدس الأب أثناسيوس بركات، على احتضانِهمْ الدائمِ لهذهِ المدرسةِ ودعمِهمْ الموصولِ لمسيرتِها.


فمدرسةُ بشمزين العاليةِ شُيدتْ على أملاكِ وقفِ القديسينَ سرجيوس وباخوس (مارْ سركيس)، شفيعيْها. وَنَمَتْ وَتَطَوَّرَتْ فِي كَنَفِهِمَا، ولقدْ كانتْ شفاعتُهما وبركاتُهما نورا هادياً لمؤسسيها الأوائلِ، وحِصناً حفظَ هذا الصرحِ التربويِّ، ورعاهُ منذُ نشأتِهِ، وهما ما يزالانِ يواكبانِ مسيرتَهُ اليومَ، وسيبقيانِ في مُقبلِ الأيامِ.


أعزائِي الخريجين،

الحياةُ مليئةٌ بالمنعطفاتِ، ولنْ يكونَ الطريقُ دائماً واضحاً أوْ سهلاً،

لكنّ ما يهمُّ ليسَ وضوحَ الطريقِ، بلْ وضوحَ القيمِ التي تسيرونَ بها.

لا تنتظروا الظروفَ المثاليةَ لتبدأوا، ولا تخافوا منْ ارتكابِ الاخطاء، بلْ منْ عدمِ المحاولةِ.

وقبلَ أنْ نختمَ،

أتمنى لكمْ حياةً تليقُ بأحلامِكمْ، وتستحقُّ أنْ تروى

وأنْ تتركوا بصمةَ إيمانٍ ومحبة، لا تُقاسُ بما تحققونَهُ فقط،
بلْ بما تُحدثونَهُ من خيرٍ في حياةِ الآخرينَ.

وأنْ يأتيَ يومٌ، نحتفي فيهِ بما حققتموهُ منْ إنجازاتٍ وبالقصصِ الملهمةِ التي كتبتموها لأنفسِكمْ.

وربما يوماً ما يكونُ الأستاذُ ريكاردو كرم الراويَ لتلكَ القصص.

باسمِ اللجنةِ الإداريةِ لمدرسة بشمزين العالية،

نهنئُكمْ منْ القلبِ. نحنُ فخورونَ بكمْ،

ونثقُ أنَّكمْ لنْ تحملوا اسمَ المدرسةِ فقطْ، بلْ ستضيفونَ إليهِ

انطلقوا، وابنوا. شكراً لكمْ.