الحضورُ الكرامُ، أبنائي وبناتي الخرّيجينَ،
أقفُ اليومَ أمامَكم، بعدَ عشرينَ عامًا من مُواكبتي أفواجَ التَّخرّجِ في مدرسةِ بشمزينَ العاليةِ.
غيرَ أنَّ حفلَنا هذا العامَ يحملُ نبْضًا مختلفًا، وخصوصيّةً تلامسُ الوِجدانَ؛ فقد حَظيتُ بشرفِ مرافقتِكُمْ منذُ أنْ خَطَتْ أقدامُكم الصّغيرةُ عَتَباتِ الرّوضةِ الأولى، (عرفتكن من KG1 ) ورأيتُ بأمِّ عينيَّ كيف تركْتم طفولتكم وصِرتُم شبابًا واعِدينَ وشابّاتٍ ناضجاتٍ.
ولا أُخفيكُم سِرًّا، أنّه مع كُلِّ تَخَرُّجٍ، تَتَمَلَّكُني مَشاعرُ شديدةُ التّناقُضِ: فَرحٌ عارمٌ يغمرُ روحي لأنّكم أنجزْتُمْ مرحلةً مَفْصَلِيَّةً من حياتِكم، وحزنٌ دافئٌ يستوطِنُ أعماقي لأنَّ جُدرانَ هذه المدرسةِ، ومَمَرّاتِها الّتي ضَجّتْ بضَحِكاتِكم، سَتفتقدُكُم كثيرًا. لن أقولَ لَكُمُ اليَومَ كما اعتدتُ دائمًا: "أراكُم في أيلولَ الآتي بل سأقولُ لَكُم: "وداعًا". سأقول لكم: "انطلقوا إلى آفاقٍ أوسَعَ وأرحَبَ من مدرستكم، بيتكم الثّاني. وتذكّروا أنّكم لم تعودوا تلاميذَ على مقاعِدِ الدِّراسَةِ، بلِ انتَقَلْتُمْ لتُصبِحوا خرّيجينَ أعزّاءَ وأعضاءً دائمينَ في أُسرَةِ مدرسَتِنا الكبرى."
رسالتُنا في هذا الصّرحِ التّعليميّ تتجلّى بكلماتٍ وجيزةٍ، تُلخّصُ عَهدًا تربويًّا قَطعناهُ على أَنْفُسِنا: "نؤمِنُ كاملَ الإيمانِ أنَّ الطّفلَ السّعيدَ لا شَكَّ طفلٌ ناجحٌ. لذلك نعمل على إيجادِ بيئةٍ آمنةٍ سليمةٍ تؤمِّنُ السّعادةَ والحمايةَ للطّالب، وتُعينُهُ على التّعلّمِ وخدمةِ الوطنِ لبنانَ." هُنا، يُمنحُ كلُّ تلميذٍ الفرصةَ ليصنعَ غدَهُ، فيغدو مواطِنًا فاعِلًا، مستقِلًّا، واعيًا، ومُحِبًّا لمجتمعه؛ مواطنًا يتركُ أثرًا طيّبًا أينما حلَّ، وَيُسَخِّرُ عِلْمَهُ لرِفْعَةِ وطنِهِ.
ولم تكنْ هذه الرسالَةُ لتتحقّقَ لولا العملُ المُشتركُ والجَهْدُ الجماعيُّ المتناغمُ بين مثلّثِ النّجاحِ: المَدرسةِ الواعية، والأهلِ الدَاعمينَ، والطّلّابِ المجتهدينَ.
فيا أيّها الأهلُ الأفاضلُ، لقد كان لكمُ الفضلُ الكبيرُ في هذا النجاح، إذ لم تتردّدوا يومًا في تلبيةِ النِّداءِ، ومساندَتِنا في تشكيلِ وعيِ أبنائنا، ورعايتِهم ليصبحوا شابّاتٍ وشبّانًا مخلصينَ لوطنِهِمْ، وبُناةً حقيقيّينَ لغدِهِ. إنَّ هذا الإنجازَ المشهودَ اليومَ ما هو إلّا ثَمَرَةُ تعبِكُمْ، وصبرِكم، وإيمانِكم بأبنائِكم؛ فلَكُم مِنّا أسمى آياتِ الشّكرِ والتّقديرِ والعِرْفانِ.
وهذا النّجاحُ لم يكن ليرى النّورَ لولا تفاني كلِّ عضوٍ في أسرةِ هذهِ المدرسةِ مُعلّمينَ وإداريّينَ. فيا زملائي، أنتمُ القلبُ النّابضُ لهذه المدرسة. أنتم الّذين زرعتُمْ بذورَ المعرفةِ في عقولِ أبنائِنا، وسقيتُموها بفيضٍ من صبرِكم وإخلاصِكُم، فكُنْتم الأساسَ الرّاسِخَ الّذي لا يتزعزعُ في كلِّ انتصارٍ وإنجازٍ حقّقناه. فشكرًا لكُمْ.
أمّا لكم يا خرّيجينا الأعزاء فأقول: يا صُنّاعَ الغد، أنتم السّندُ الحقيقيُّ الّذي أعانَنا على تحقيقِ رسالتنا وتجسيدِها واقعًا. لم تتردّدوا في تلبيةِ أيِّ طلبٍ، ولم تَتوانَوا أمامَ مَشقّةِ أيّ امتحان. تحمّلْتم لياليَ الدّراسةِ الطّويلةَ، وتَشاركْنا بوَعْيِكم وحماسِكم كلَّ نشاطٍ ومناسبةٍ، (حتّى Ms. Layla مثّلت معكم بالـ competitions) لتُبَرهِنوا دائمًا أنّكمُ الشّريكُ الأوفى في صياغةِ رسالةِ هذا الصرحِ العريق.
أنتم لم تخذلونا يَومًا؛ ففي كلِّ اختبارٍ دوليٍّ كنتم في الطّليعةِ، وفي كلِّ مناسبةٍ وحدثٍ كنتم الرّوادَ، وفي كلِّ منافسةٍ كنتُم الأوائلَ الّذين رفعوا اسمَ مَدرستِنا عاليًا، وسَطَّروا الإنجازاتِ الّتي نفاخرُ بها جميعًا. أنتمُ الوجهُ المشرقُ لهذا الصّرحِ، وأنتم الأملُ الواعدُ الّذي يضيءُ مستقبلَ لبنانَ.
فكما قال القديس البابا يوحنّا بولس الثاني: "لبنانُ أكثرُ من مجرّد وطن، إنّه رسالة". أنتم يا أبنائِيَ الأحِبّاءَ رسالةُ هذه المدرسةِ إلى الوطن؛ رسالةُ أملٍ، وانتماءٍ، ونجاحٍ لا يعرفُ الحدود.
باسمي وباسمِ المعلّمينَ والإداريّينَ جميعًا، أقول لكم من قلبٍ نابضٍ بالمحبّة: نحن فخورون بكلِّ واحدٍ منكم. والآن، إذ تستعدّون للانتقالِ إلى آفاقٍ جديدةٍ، وقد تتفرّقُ بِكُمُ السُّبلُ، فتسافرونَ أو تدخلونَ بيئاتٍ مختلفَةً، تذكَّروا دائمًا أنَّ هذه المدرسةَ ستبقى جزءًا حيًّا من هُويّتِكم ووِجدانِكم أينما ذهبتم، وأنّكم ستبقُونَ جزءًا أصيلًا لا ينفصلُ عنها وعن تاريخها. سيروا وعينُ اللهِ ترعاكم، ومباركٌ تخرُّجُكم.
قَبْلَ أن أُنْهِيَ كَلمَتي أرى أنّه لا بدّ من أن أوجّه كَلِمَةً إلى ابنَتي التي تَتَخَرَّجُ اليومَ.
ابنتي الحبيبة سيرين،
في هذا اليومِ المميّزِ، أنظرُ إليكِ بفخرٍ كبيرٍ، فأراكِ ثمرةَ تعبٍ وسنواتٍ من الاجتهادِ والأحلامِ. كبُرتِ أمامَ عينيَّ، وها أنتِ اليومَ تخطينَ خَطْوةً جديدةً نَحْوَ المستقبل، بثقةٍ وجمالٍ وإرادة.
أباركُ لكِ تخرّجَكِ، وأدعو اللهَ أن يبقى النجاحُ رفيقَ دربِكِ، وأن تحافظي دائمًا على قلبِكِ الطيِّبِ وأخلاقِكِ الجميلة. تذكّري أنّ الحياةَ ليست فقط وصولًا إلى القمم، بل أن تَبْقَيْ إنسانةً تُحبُّ وتُعطي وتزرعُ الفرحَ أينما حلَّت.
أحبّكِ كثيرًا، وسأبقى دائمًا إلى جانبكِ، أفرحُ لفرحِكِ وأُؤمنُ بكِ في كلِّ خَطْوَة.